ابن عساكر

224

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

قال أبو الحسين الرازي « 1 » : وكان يوسف بن الحسين يقال : إنه أعلم زمانه بالكلام ، وعلم الصوفية . فلمّا كان بعد أيام جاء إلى ذي النون رجل صاحب كلام ، فناظر ذا النون ، فلم يقم ذو النون بالحجج عليه ، فاجتذبته إليّ ، وناظرته ، فقطعته ، فعرف ذو النون مكاني ، فقام إلي وعانقني وجلس [ بين يدي ، وهو ] « 2 » شيخ وأنا شاب ، وقال : اعذرني فلم أعرفك ، فعذرته ، وخدمته سنة واحدة ، فلمّا كان على رأس السنة قلت له : يا أستاذ ، إني قد خدمتك ، وقد وجب حقي عليك ، وقيل لي : إنك تعرف اسم اللّه الأعظم ، وقد عرفتني ، ولا تجد له موضعا مثلي ، فأحبّ أن تعلّمني إياه . قال : فسكت عني ذو النون ، ولم يجبني ، وكأنه أومأ إليّ أنه يخبرني ، وتركني ستة أشهر بعد ذلك ، ثم أخرج إلي من بيته طبقا ومكبة مشدودا في منديل - وكان ذو النون يسكن في الجيزة « 3 » - فقال : تعرف فلانا صديقنا من الفسطاط ؟ قلت : نعم ، قال : فأحبّ أن تؤدي هذا إليه . قال : فأخذت الطبق وهو مشدود ، وجعلت أمشي طول الطريق وأنا متفكر فيه : مثل ذي النون يوجه إلى فلان بهدية ! ترى أيش هي ؟ قال : فلم أصبر إلى أن بلغت الجسر ، فحللت المنديل ، وشلت المكبة ، فإذا فأرة ، قفزت من الطبق ، ومرّت . فاغتظت غيظا شديدا ، وقلت : ذو النون يسخر بي ، ويوجه مع مثلي فأرة إلى فلان ! ؟ فرجعت على ذلك الغيظ ، فلمّا رآني عرف ما في وجهي ، وقال : يا أحمق ، إنما جرّبناك ، ائتمنتك على فأرة فخنتني ، أفائتمنك على اسم اللّه الأعظم ؟ ! وقال : مر عني فلا أراك شيئا آخر . قال يوسف : وسمعت ذا النون يقول : من جهل قدره هتك ستره « 4 » . وقال « 5 » : قلت لذي النون وقت مفارقتي له : من أجالس ؟ فقال : عليك مجالسة من تذكّرك اللّه رؤيته ، وتقع هيبته على باطنك ، ويزيد في عملك منطقه ، ويزهّدك في الدنيا عمله ، ولا تعصي اللّه ما دمت في قربه ، يعظك بلسان فعله ، ولا يعظك بلسان قوله . وقال : عليك بصحبة من تسلم منه في ظاهر أمرك ، وتبعثك على الخير صحبته ، وتذكر اللّه رؤيته .

--> ( 1 ) تاريخ بغداد 14 / 316 - 317 ورواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء 9 / 36 - 387 . ( 2 ) ما بين معكوفتين زيادة عن تاريخ بغداد ، ومكانه مطموس في مختصر أبي شامة . ( 3 ) الجيزة : بليدة في غربي فسطاط مصر قبالتها ، ولها كورة كبيرة واسعة ( معجم البلدان 2 / 200 ) . ( 4 ) رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء 10 / 241 وتاريخ بغداد 14 / 314 . ( 5 ) الخبر باختلاف الرواية في حلية الأولياء 10 / 241 .